لبنان يُعاد تشكيله: نزوح داخلي يرسم خرائط الخطر.
قراءة للدكتور بيار يونس في الواقع السياسي والاجتماعي والأمني والتنظيمي في ظل الحروب القائمة، من منظور اختصاصه المهني كمهندس معماري ومتخصص في التنظيم المُدُني.
لبنان اليوم لا يواجه مجرد أزمة نزوح داخلي عابرة، بل يقف على حافة تحوّل ديموغرافي واجتماعي خطير يُدار بغياب شبه كامل للدولة. ما يحصل ليس نتيجة ظرف طارئ فقط، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال السياسي وغياب أي رؤية سيادية لإدارة الأزمات.
النزوح الداخلي الحالي يعيد رسم الخريطة السكانية للبنان بشكل سريع وخطير. مناطق تُفرغ وأخرى تختنق، وتوازنات دقيقة تتبدّل تحت ضغط الخوف وانعدام الاستقرار. هذا التحول لا يمكن فصله عن الواقع السياسي القائم، حيث تُترك الأمور لتتفاعل عشوائياً، ما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية قد تصبح أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه لاحقاً، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على التمثيل السياسي وتوزيع النفوذ.
أما اجتماعياً، فإن الخطاب التضامني السائد يخفي واقعاً أكثر قسوة. المجتمعات المضيفة، التي تعاني أصلاً من الفقر والانهيار الاقتصادي، تجد نفسها اليوم أمام ضغط غير مسبوق على السكن والخدمات وفرص العمل. ومع غياب أي سياسات دعم جدية، يتحول الاحتكاك اليومي إلى بيئة خصبة للتوتر والانقسام، ما يهدد بتفكيك ما تبقى من نسيج اجتماعي هش.
على المستوى الأمني، تبدو الدولة وكأنها خارج المشهد. النزوح غير المنظم، والاكتظاظ، وغياب الإحصاءات الدقيقة، كلها عوامل تخلق فراغاً أمنياً خطيراً. في مثل هذه البيئات، لا تنشأ فقط الفوضى، بل تتغذى أيضاً شبكات الاستغلال والجريمة، ويُفتح المجال أمام قوى الأمر الواقع لفرض أنماط جديدة من السيطرة خارج إطار الدولة.
أما البنية التحتية، فهي الضحية الصامتة. شبكات متهالكة أصلاً تُدفع اليوم إلى حدود الانهيار الكامل: كهرباء لا تكفي، مياه شحيحة، صرف صحي عاجز، وطرق غير قادرة على استيعاب هذا الضغط. ومع غياب الاستثمار والصيانة، يتحول كل تجمع سكاني جديد إلى قنبلة خدماتية موقوتة.
الأخطر من ذلك كله هو الفشل الفاضح في التنظيم المدني. ما قد نشهده هو تمدد عشوائي غير مضبوط، واستباحة للأراضي، وغياب كامل لأي تخطيط استباقي. الدولة لا تخطط، لا توجّه، ولا حتى تراقب. النتيجة قد تكون نشوء تجمعات سكنية غير رسمية تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحياة، ما يكرّس أزمات طويلة الأمد بدل احتوائها.
إن استمرار هذا الواقع يعني ببساطة أن لبنان يتجه نحو إعادة تشكيل قسرية لمجتمعه، خارج أي إطار قانوني أو وطني جامع. النزوح لم يعد مجرد أزمة إنسانية، بل أصبح أداة تغيير بنيوي غير مُدار، قد يهدد وحدة البلاد واستقرارها لسنوات طويلة.
المطلوب اليوم ليس إجراءات ترقيعية، بل قرار سياسي واضح: إدارة مركزية صارمة للنزوح، توزيع عادل ومنظم للسكان، حماية للمجتمعات المضيفة، واستثمار عاجل في البنية التحتية. دون ذلك، فإن ما يجري لن يبقى أزمة ظرفية، بل سيتحول إلى واقع دائم يُعاد فيه رسم لبنان على أُسُس الفوضى لا الدولة.
