أخبارالمجلس السياسيالوطنيون الأحرارمحليات

« Rouge ou Noir ? » 

رهان لبنان الأقدم يُلقى من جديد

بقلم كاثرين بابادوبولو

أمينة العلاقات الخارجية والمغتربين ورئيسة اللجنة الفدرالية في حزب الوطنيين الأحرار

حين قال الرئيس ترامب للصحافيين على هامش قمة مجموعة السبع في السادس عشر من حزيران إنه نصح إسرائيل بأن «تترك سوريا تتولّى أمر حزب الله»، لأن دمشق «ستؤدّي المهمة على نحوٍ أفضل»، لم يكن يرتجل. فقد سبق أن طرح الفكرة نفسها في وقتٍ سابق. وكان المبعوث الأميركي توم برّاك أوّل من لمّح إليها، محذّراً في كانون الأول من أن لبنان مهدَّدٌ بأن «يُعاد ضمّه» إلى سوريا إن لم ينزع سلاح حزب الله، وهو تصريحٌ رفضه رئيس مجلس النواب نبيه برّي بغضب. وبحلول آذار، تردّدت أنباءٌ عن أن واشنطن تحضّ دمشق سرّاً على إدخال قوات إلى شرق لبنان.

في الواقع ان هذا الطرح، وان جاء ضمن صياغة جديدة، انما هو يحيي معضلة قديمة في تاريخ لبنان الحديث.

في عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية، وكادت تنتزع سلاماً. فاتفاق السابع عشر من أيار 1983، الذي رعته واشنطن في عهد الرئيس أمين الجميّل، كان سيُطبّع العلاقات ويُعيد الجنود الإسرائيليين إلى ديارهم. لكنّ بيروت، تحت الضغط السوري وبفعل انقساماتها، ألغته في غضون عام. والمساحة التي رفض لبنان أن يملأها بنفسه وبملء إرادته، مُلئت بدلاً منه: فالقوات السورية، الموجودة في البلاد منذ 1976، استقرّت فيها نحو ثلاثة عقود، ولم تغادر إلا حين أجبرت على الخروج عام 2005. أما إسرائيل، فاحتفظت بـ«شريطٍ أمني» في الجنوب حتى عام 2000، ثم انسحبت على نحوٍ مفاجئ ، ما أدّى إلى انهيار جيش لبنان الجنوبي وإفراغ مرجعيون من العائلات المرتبطة به بين عشيةٍ وضحاها. المتن يتذكّر السوريين على وجه، والجنوب يتذكّر الإسرائيليين على وجهٍ آخر. لكنّ الدرس الذي لقّنه الاحتلالان واحد. Horror vacui — الطبيعة تأبى الفراغ: سيادةٌ يأبى لبنان أن يمارسها، وقرارٌ يأبى أن يتّخذه، فراغٌ سيملؤه آخرون ويحتلّونه.

وهذا هو الدرس الذي يُختبر اليوم للمرة الثالثة، وحزب الله هو السبب. فمن ميليشيا سرّية في أواخر الثمانينيات، تحوّل الحزب إلى قوةٍ عسكرية قائمة بذاتها تفوق الدولة تسليحاً، ثم إلى كتلةٍ سياسية حكمت عبر «الثنائي الشيعي»، أمل وحزب الله، وحلفائه العونيين ورئاسةٍ دُميةٍ، ثم إلى ثقلٍ ساهم في إغراق الاقتصاد، وأخيراً إلى سلطةٍ موازية تدير شبكات تهريب السلاح والمحروقات والكبتاغون والبشر. أما الحكومات المتعاقبة، حكومة ميقاتي ثم المنظومة الأوسع، فآثرت المهادنة على المواجهة.

إلى أن أخطأ حزب الله في الحساب. ففي الثامن من تشرين الأول 2023، فتح الحزب «جبهة إسناد» لغزة. ولم يكن يتوقّع إلى أين سيقوده ذلك: مقتل أمينه العام حسن نصر الله في أيلول 2024، ومقتل خلفه المُرتقَب هاشم صفي الدين بعد أسابيع، ومقتل جزءٍ كبير من قيادته العليا، ثم حربٌ أنهكت الحزب، وهدنةٌ في تشرين الثاني 2024 تركته منهكاً مكشوفاً. وللمرة الأولى، لم تعد إسرائيل وحدها، بل غالبية الغرب، تتعامل معه بوصفه تهديداً يجب تفكيكه لا احتواؤه.

وفي تلك الثغرة، دخل رئيسٌ جديد. ففي خطاب القَسَم في التاسع من كانون الثاني 2025، تعهّد العماد جوزيف عون بحصر السلاح بيد الدولة، وتبنّت حكومة الرئيس نواف سلام هذا المبدأ. وفي آب، كلّفت الحكومة الجيش بوضع خطةٍ لنزع السلاح، وفي أيلول عرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل خطة «درع الوطن»، وهي خريطة طريقٍ من خمس مراحل تبدأ جنوب الليطاني. وبحلول كانون الثاني 2026، أعلن الجيش أن المرحلة الأولى أُنجزت إلى حدٍّ بعيد؛ وبحلول شباط، حدّدت الحكومة مهلة أربعة أشهر للمرحلة الثانية. لكنّ حزب الله رفض المهلة رفضاً قاطعاً، مصرّاً على أن وقف إطلاق النار لا يسري إلا جنوب الليطاني.

وتعثّرت الخطة حيث تتعثّر كل خطةٍ لبنانية: عند الخط الفاصل بين النيّة والتنفيذ، بين القدرة والعجز. وإسرائيل، غير المقتنعة، استأنفت توغّلها في الجنوب ثم عمّقته، فبلغت مدىً لم تبلغه منذ عام 2000. وانطلقت مفاوضاتٌ لبنانية–إسرائيلية مباشرة في واشنطن في نيسان 2026، هي الأولى منذ 1983، تطلب فيها بيروت وقفاً لإطلاق النار وانسحاباً، بينما تطالب إسرائيل بنزع السلاح أولاً. والمفاوضات متعثّرة، ومراوغة لبنان نفسها، إذ يتفاوض فيما يرفض مواجهة الحزب في الداخل، سببٌ كبير في ذلك. نيّةٌ مجدّداً، وعجزٌ عن التقدّم.

في هذا السياق يأتي كلام ترامب. فإن قرأناه بحُسن نيّة، كان عرضاً بالسيادة: قرّروا بأنفسكم، سلامٌ مع إسرائيل أم يدٌ سورية تنظّف البقاع وشمال لبنان، بل تنظّف لبنان كله من حزب الله كما قال أمس، لأن كلا الطريقين ينتهي بزوال ترسانة الحزب. وإن قرأناه على ظاهره، كان لكمةً لنتنياهو على خلفية سقوط المدنيين، فيما تكرّر دمشق أنها لا نيّة لديها بعبور الحدود. وإن قرأناه في العمق، كان دعوةً أخيرة قبل أن يُرمى الزهر؛ وقد يكون الخيار من ثمّ بلاغياً أكثر منه واقعياً، وهو ما يرفع الرهان. في الحالين، سيُملأ الفراغ. وما يتذكّره الجنوب والبقاع هو كم يتلكّأ هؤلاء الضيوف في الرحيل.

ومع ذلك، يبقى الرهان قائماً. Rouge ou noir.   أحمر أم أسود. سلامٌ مع إسرائيل، أم عودة السوريين.

خامة الرئيس عون، دولة الرئيس سلام، دولة الرئيس برّي، السادة أعضاء مجلس النواب، وحضرة زعماء الأحزاب: في كلا اللونين الرهان واحد، وفي كليهما أوّل ما يقبضه البنك هو سلاح حزب الله. والسؤال الوحيد الذي لم يجرؤ لبنان يوماً على الإجابة عنه هو: هل يضع الرهان بنفسه ويظفر بالجائزة الكبرى، أم ينتظر، كما فعل عام 1983، أن يضعه سواه؟

بعض المخاطر لا تستحقّ أن تُخاض.

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *