أخباراخبار يومية

جمهورية “المايسترو” والقرارات الميتة: عندما تصادر الدويلة قرار الدولة.

كنبت الصحافية رودا بدر في الأحرار نيوز : “جمهورية “المايسترو” والقرارات الميتة: عندما تصادر الدويلة قرار الدولة.”

في إحدى الاجتماعات، قال وزير الطاقة لوزير العدل: “كون مثل وزير الخارجيّة… أبضاي وخد قرارات بطولية”. ابتسم الوزير نصّار وجاء الرد سريعًا: “العبرة ليست في القرار… بل في تنفيذه”. ضحكة خفيفة، لكنها تختصر واقع لبنان؛ الدولة تصدر البيانات، بينما نفوذ غير رسمي يفرض الوقائع، والمزحة تتحول إلى تشخيص دقيق لغياب السيادة.


اختبار التنفيذ: سيادة الدولة تبدأ من “البوابة”
قرار طرد السفير الإيراني نموذج صارخ لهذا التحدّي. ندرك أن أراضي السفارة محميّة بالقانون الدولي بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وأنّ حرمة البعثات الدبلوماسية لا يجوز انتهاكها. لكنّ انتهاء المهلة المحدّدة للمغادرة من دون التزام يضع الدولة أمام اختبار حقيقي لهيبتها.
التنفيذ الفعلي لا يكون عبر خرق الالتزامات الدولية كقطع الخدمات، بل عبر إجراءات سياديّة مشروعة: تشديد الرقابة في محيط البعثة، منع أي نشاط خارج إطارها، ورفع مستوى الضغط السياسي والدبلوماسي ضمن الأصول القانونية. السيادة الحقيقيّة تظهر في فرض القرار ضمن القانون، لا في تجاوزه؛ وفي القدرة على تحويل قرار الطرد من مجرّد إعلان إلى واقع سياسي ملزم. الدولة تستطيع التنفيذ إذا امتلكت الجرأة، لا أن تكتفي ببيانات تُرمى في سلّة المهملات.


الرد على الآراء المتداولة
يتداول البعض تساؤلات حول سبب امتناع الدولة عن اتخاذ إجراءات ضغط مباشرة، كقطع الكهرباء أو المياه أو الإنترنت عن السفارة. رغم ما يعكسه هذا الطرح من غضب شعبي، فإنه يصطدم بواقع قانوني واضح: الدولة اللبنانية مقيّدة بالتزاماتها الدولية، ولا سيما بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تفرض عليها ضمان عمل البعثات الدبلوماسية وعدم عرقلة خدماتها الأساسية.
بالتالي، الامتناع عن هكذا إجراءات يعكس التزام الدولة بالقانون الدولي، وليس ضعفها. والتحدي الحقيقي يكمن في استخدام الأدوات المتاحة ضمن الأطر القانونية لتحقيق التنفيذ الفعلي للقرارات السيادية.


انفصام المواقف: الرمادية لم تعد خيارًا
في المقابل، تتحرّك بعض القوى الممانعة لاستثمار الفراغ السياسي والعجز المؤسسي، ما يضع الدولة في موقع مراقب بينما يتم تحدي هيبتها على الأرض. لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالالتزام اللفظي بالقرارات الدولية، بينما يبقى النفوذ غير الرسمي جزءًا من المنظومة التي تصادر قرار الدولة. إمّا الدولة وإمّا الفوضى؛ فلا بناء للمؤسسات مع استمرار تغطية أدوات خارجة عن القانون.


من العسكرة إلى الحظر السياسي
تتصاعد اليوم دعوات “الجبهة السيادية” إلى حظر سياسي محلي للأدوات الخارجة عن القانون، بعد أن ثبت تورطها في أعمال تؤثر على سيادة لبنان وتخرق قواعد السلم الداخلي. إنّ من أقحم لبنان في سياسات عبثية لمصالح إقليمية، دون استشارة مؤسسات الدولة، لم يعد فاعلاً سياسياً مشروعاً بل أداة نفوذ خارجي. كرامة اللبنانيين ليست رهن أي جهة غير رسمية تتحرك ضد قرارات الدولة السيادية.


المسؤولية التاريخية: فعل التنفيذ لا قول القرار
معركة استعادة الدولة تبدأ من قدرة المرجعية السيادية على كسر القيود التي كبّلت بعبدا لسنوات. الرهان ليس على الأسماء، بل على الأفعال؛ فلبنان لا يملك ترف “المسايرة” أو قبول إدارة الأزمة بلا تنفيذ القرار الفعلي. المطلوب نهج يترجم السيادة من شعار إلى واقع ويضع مصلحة بيروت فوق كل اعتبار إقليمي.


وبينما تتّجه الأنظار نحو استحقاقات مفصليّة، يبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بجرأة:
هل سنشهد عهدًا يمتلك الشجاعة السياديّة لانتزاع قرار السلم وتطبيق القرارات الدولية فعليًا على الأرض، أم أنّنا محكومون بالبقاء في قاعة الانتظار، نراقب وطنًا يترنّح على حافة الهاوية بانتظار من يخبرنا بكلّ صراحة: إلى أين نحن ذاهبون؟

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *