أخبار

لماذا تراجع ترامب عن ضرب ايران ؟ وماحسابات ضرب النظام ؟

كتبت الاعلاميّة رودا بدر : لماذا تراجع ترامب عن ضرب إيران؟ وما حسابات ضرب النظام؟

يُخطِئُ مَن يقرأ قرارَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتراجع عن ضرب طهران قراءةً سطحيّةً، ويحسبه مجرّدَ كسبٍ للعاطفة الانتخابيّة، أو خوفًا من تبعات المواجهة الإقليميّة. فهذا التفسير يتجاهل جوهر الموقف؛ فالتحليل الإعلامي هنا ليس قاصرًا فحسب، بل قد يكون خاطئًا في أساسه.

هذا القرار لا يمتّ بصلةٍ مباشرةٍ إلى الانتخابات النصفية، ولا يخضع بالضرورة لحسابات المخاوف في مضيق هرمز، أو خشية الردّ الإيراني في الميدان؛ فتلك معادلاتٌ محسوبةٌ ومدروسةٌ منذ أشهر، ولم تعد، وفق هذه القراءة، تشكّل العائق الأساسي أمام اتخاذ القرار.

إنّ قراءة هذا التأجيل، وفهم حقيقة التريّث، يجب أن يتمّا في ضوء تطوّرين حاسمين:

أولًا: من شعار «الاحتواء» إلى مشارف «الإنهاء»

إنّ التصريحات المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي تتحدث عن الانتقال من احتواء النظام الإيراني إلى إنهائه، تطرح تساؤلاتٍ جديةً حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب.

فهل لم يعد الهدف مجرّد كبح نفوذ النظام الإيراني، بل أصبح يتّجه نحو إنهائه وتفكيك الجمهورية الإسلامية نفسها؟

إنّ هذا التحوّل، إذا تأكّد في المواقف والخطط العملية، لا يمكن اعتباره مجرّد خطابٍ سياسيٍّ للاستهلاك الإعلامي، بل مؤشّرًا إلى تغييرٍ جوهريٍّ في طبيعة المواجهة وأهدافها.

ثانيًا: تقاطع الاستخبارات… حين يصبح الانهيار احتمالًا

إنّ تقييم مستقبل النظام الإيراني يتطلّب قراءةً دقيقةً للتقارير الاستخباراتية والمواقف الصادرة عن واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية. لكنّ الحديث عن قرب سقوط النظام لا يمكن اعتباره حقيقةً محسومةً من دون أدلّةٍ موثوقةٍ ومؤشراتٍ واضحة.

ومع ذلك، فإنّ الضغوط الاقتصادية المتزايدة، والتضخّم، والتحديات الأمنية، والتصدّعات السياسية الداخلية، تشكّل عواملَ قد تؤثّر في تماسك النظام وقدرته على الاستمرار.

كما أنّ دور المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج يبقى عنصرًا أساسيًّا في أيّ قراءةٍ لمستقبل البلاد، وإن كان الحديث عن اقترابها ميدانيًّا من السيطرة على طهران يحتاج إلى معطياتٍ موثّقةٍ لا إلى استنتاجاتٍ متسرّعة.

فهل بات النظام الإيراني أمام مرحلةٍ مفصليةٍ قد تعيد رسم مستقبل الجمهورية الإسلامية؟ أم أنّه لا يزال يمتلك من أدوات السيطرة ما يسمح له باحتواء الضغوط الداخلية والخارجية؟

البلاغة الاستراتيجية: لماذا تقصف ما قد يسقط بنفسه؟

في هذا السياق، قد يمثّل توجيه ضربةٍ عسكريةٍ أميركيةٍ في هذه المرحلة قرارًا يحتاج إلى حساباتٍ دقيقة، لا سيّما إذا كانت الضغوط الداخلية على النظام الإيراني مرشّحةً للتصاعد.

لماذا تُدمَّر بالسلاح أهدافٌ قد تتراجع أهميتها إذا دخل النظام مرحلةً من الضعف الداخلي؟

ولماذا يُقدِم طرفٌ خارجيٌّ على تدخّلٍ عسكريٍّ قد يمنح النظام الإيراني فرصةً لتصوير المواجهة على أنّها اعتداءٌ خارجيٌّ يستهدف البلاد، بما قد يساعده على إعادة توحيد صفوف مؤيّديه وتبرير تشديد قبضته الأمنية؟

ولماذا تُستنزف الذخائر الأميركية، ويُستهلك الرصيد السياسي، إذا كان من الممكن أن تؤدّي الضغوط الداخلية دورًا أساسيًّا في إحداث التغيير؟

إنّ أيّ ضربةٍ عسكريةٍ في هذه اللحظة قد تأتي بنتائج معاكسةٍ للأهداف المعلنة؛ إذ يمكن أن تؤخّر التصدّعات الداخلية، أو تمنح النظام فرصةً لاستعادة جزءٍ من شرعيته لدى مؤيّديه عبر ظاهرة «الالتفاف حول العلم».

لكنّ ذلك يبقى احتمالًا استراتيجيًّا، لا نتيجةً مضمونةً، لأنّ تأثير الضربات العسكرية يختلف باختلاف طبيعتها وأهدافها وردود الفعل التي قد تنتج عنها.

المنطق المعكوس: ضبط النفس كسلاح

قد يقتضي التسلسل الاستراتيجي، وفق هذه المقاربة، اعتماد مسارٍ مختلفٍ عن الضربة العسكرية الفورية:

إتاحة المجال أمام الضغوط الداخلية لتأخذ مداها، مع الاحتفاظ بالخيار العسكري وعدم التسرّع في استخدامه.

فهل يكون ضبط النفس في هذه المرحلة أداةً لتحقيق أهدافٍ استراتيجيةٍ أكبر، بدلًا من اللجوء الفوري إلى القوة؟

إنّ الاحتفاظ بالخيار العسكري قد يتيح التعامل مع تطوّراتٍ لاحقةٍ، إذا فرضت الوقائع ذلك، لتحقيق أهدافٍ حاسمة، من بينها:

  • تأمين مواقع أسلحة الدمار الشامل ومنع وقوعها في أيدٍ تهدّد الأمن الإقليمي والدولي.
  • منع الهجمات الانتقامية التي قد تنفّذها جهاتٌ مواليةٌ للنظام في حال انهياره أو تعرّضه لضربةٍ قاصمة.
  • الحدّ من مخاطر المرحلة الانتقالية وضمان ألّا ينتج عن سقوط النظام واقعٌ أكثر خطورةً واضطرابًا من الوضع السابق.

إنّ التراجع عن الضربة العسكرية لا يعني بالضرورة الخوف أو الضعف، كما أنّ عدم اللجوء إلى القوة لا يعني التخلي عن الأهداف الاستراتيجية.

فقد يكون ضبط النفس، في بعض الظروف، تعبيرًا عن حساباتٍ دقيقةٍ وتقديرٍ لتوقيت المواجهة، لا عن العجز عن خوضها.

ويبقى السؤال الأساسي: هل تراجع ترامب عن ضرب إيران لأنّ كلفة المواجهة أصبحت أعلى من مكاسبها، أم لأنّ واشنطن ترى أنّ إضعاف النظام من الداخل قد يكون أكثر فاعليةً من استهدافه عسكريًّا؟

الأحرار نيوز

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *