أخباراخبار يوميةالمجلس السياسيالوطنيون الأحرارمحليات

أوروبا أمام المرآة: حين تسقط أوهام الاندماج وتنكشف أزمة الهوية

بقلم كريم عاصي
امين الإعلام في حزب الوطنيين الأحرار

لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة خلف عبارات منمقة أو مصطلحات سياسية مائعة ومضللة. ما تعيشه العواصم والمدن الأوروبية اليوم ليس نتاج خلل في منظومة التعليم، ولا عجزاً في مخصصات الرعاية الاجتماعية، ولا وليد تهميش اقتصادي أو فقر مزعوم. بل هو نتاج مشاعر معادية ورفض قاطع لقيم القارة ومجتمعاتها من فئات دخلت إليها، لكنها أصرت على البقاء في مواجهة معها ومع تقاليدها.

فتحت أوروبا أبوابها لمن وصلوا عبر الهجرة غير الشرعية، وفرت لهم الملاذ والمأوى، أطعمت، وكسَت، وقدمت العلاج المجاني والتعليم، وأتاحت كل ما يحلم به أي إنسان يسعى إلى حياة كريمة. ومع ذلك، لم يثمر هذا السخاء سوى الجفاء، ومحاولات مستمرة لفرض أعراف وثقافات لا تمت للقارة وتاريخها بصلة، بل وتغذية عداء عميق لكل ما تمثله الحضارة الأوروبية من حريات وقوانين مدنية.

لقد توهم الساسة وصناع القرار في باريس وبرلين ولندن وبروكسل أن «المواطنة» مجرد ورقة تُمنح، أو راتب دعم يُصرف في نهاية كل شهر، وتناسوا أن المواطنة التزام أخلاقي وثقافي وجداني، وانتماء حقيقي لا يُشترى بالإعانات. واليوم تجد هذه المجتمعات نفسها تحصد ما زرعته من سذاجة وتهاون؛ فالمدن تتبدل معالمها، والهويات الوطنية تتآكل أمام واقع ديمغرافي وثقافي متسارع.

لسنوات طويلة، كان كل من يحذر من هذا المسار ويشير إلى خطورة الاستمرار في تجاهل الخلل الديمغرافي يُقابل بحملات تخوين جاهزة، ويُنعت فوراً بـ «العنصرية» لإسكاته. لكن الواقع أثبت صحة تلك التحذيرات؛ فالقضية لم تكن يوماً صراعاً طبقياً أو أزمة رعاية، بل أزمة ولاء وهجوم على النسيج المجتمعي. لقد سقطت سردية التبرير، وباتت أوروبا مطالبة بالاستيقاظ ومواجهة هذا التحدي الوجودي دون خوف أو مجاملات سياسية.

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *