محليات

“يومين وبتقطع”… صارت خمسين سنة: نزوح يتمدّد، إيجارات تشتعل… والخوف بلا خريطة.

كتبت الصحافيّة رودا بدر في الأحرار نيوز : “يومين وبتقطع”… صارت خمسين سنة: نزوح يتمدّد، إيجارات تشتعل… والخوف بلا خريطة.

لم يعد النزوح في لبنان تفصيلًا عابرًا في مشهد الحرب، بل تحوّل إلى واقع يومي يعيد رسم الخريطة السكنية والاجتماعية للبلاد. من الجنوب إلى بيروت، ومن الضاحية إلى المتن وكسروان، وصولًا إلى الشمال والشوف وعاليه، يتمركز النازحون حيثما وُجد سقف—أو حتى بدونه. عبارة “يومين وبتقطع” التي لطالما ردّدها اللبنانيون، سقطت مجددًا أمام واقع يتكرّر منذ عقود… حتّى باتت أقرب إلى سخرية مريرة من زمن لا ينتهي.

الإيجارات: سوق بلا ضوابط
الضغط السكاني المفاجئ فجّر أزمة إيجارات حادة. في بيروت والمتن وكسروان، ارتفعت الأسعار بشكل لافت، فيما بدأت مناطق في الشمال والشوف وعاليه تشهد الظاهرة نفسها. بعض المالكين استغلوا الطلب المتزايد، فباتت الشقق تُعرض بأسعار مضاعفة، تُدفع أحياناً “كاش” ولأشهر مسبقة. هكذا، تحوّل الحق بالسكن إلى مزاد مفتوح، يدفع ثمنه النازح أولاً، والمقيم ثانيًا.

خريطة نزوح بلا حدود
لم يعد النزوح محصورًا في بقعة دون أخرى. العائلات تتوزع على كامل الجغرافيا اللبنانية: في المتن، في كسروان، في الشمال، في الشوف وعاليه، وحتى في مناطق كانت تُعتبر “بعيدة عن الخطر”. لكن هذا الانتشار الواسع يطرح سؤالًا مقلقًا: هل تحوّلت كل المناطق إلى احتمالات مفتوحة؟ وهل ما زال هناك مكان “آمن” فعلًا؟

البلديّات على خط التوتر
أمام هذا الواقع، شددت بعض البلديات إجراءاتها، فباشرت التدقيق في الهويات والأوراق، محاولةً ضبط حركة النزوح ومنع أي تسلل لعناصر مشبوهة. بين هاجس الأمن وواجب الإنسانية، تمشي هذه البلديات على حبل مشدود: كيف تحمي مناطقها من دون أن تتحوّل إلى حواجز اجتماعية بين اللبنانيين أنفسهم؟

الخوف يتمدّد… والاستهداف يبدّل المعادلات
الضربات التي طالت مناطق مدنية، بما فيها أماكن سكنية وفنادق—حتى في الروشة—كسرت فكرة “المكان الآمن”. ومع توسّع دائرة الاستهداف إلى أكثر من منطقة، لم يعد ممكناً استبعاد أي جغرافيا. الخوف لم يعد مرتبطاً بالحدود التقليدية للاشتباك، بل بات حالة عامة تسكن كل حي وشارع.

التعليم يدفع الثمن
مرة جديدة، يقع القطاع التربوي في قلب الأزمة. المدارس الرسمية تحوّلت إلى مراكز إيواء، ما أدى إلى توقف التعليم فيها، فيما تحاول المدارس الخاصة الاستمرار عبر التعليم عن بُعد أو نقل الصفوف إلى مناطق أقل توترًا. جيل كامل مهدد بالضياع بين النزوح والانقطاع.

تعايش قسري… واحتكاك صامت
العيش المشترك، الذي يُفترض أن يكون نقطة قوة لبنان، يخضع اليوم لاختبار صعب. التقاء عائلات من خلفيات مختلفة، في ظروف ضاغطة، بدأ يولّد توتراً مكتوماً في بعض المناطق. ليس صداماً مباشراً، بل نفور صامت يتغذّى من الخوف، ومن غياب أي خطة واضحة لإدارة هذا التداخل الاجتماعي المفاجئ.

فيدرالية الطوائف: طرح يعود من تحت الركام
وسط هذا المشهد الضاغط، عاد إلى التداول طرح “فيدرالية الطوائف” كأحد المخارج المطروحة للأزمات المتكررة. الفكرة، كما تُطرح، تقوم على منح الطوائف هامشاً واسعاً من الإدارة الذاتية ضمن دولة واحدة، بدل البقاء في نموذج مركزي مأزوم.
لكن هذا الطرح لا يزال عالقاً في الأسئلة أكثر مما هو موجود في الأجوبة:
هل يمكن أصلاً رسم حدود بين طوائف متداخلة؟
كيف يمكن تقسيم مدن كبرى كـبيروت والمتن؟
ماذا عن الموارد، الوظائف، والخدمات؟
وهل يصبح النزوح نفسه عاملاً ينسف أي مشروع تقسيم؟
في بلد تغيّر توزيعه السكاني خلال أسابيع، تبدو أي خرائط نظرية عاجزة عن مواكبة الواقع. والأسوأ أن الفيدرالية الطائفية، إن جاءت كرد فعل على الخوف، قد لا تكون حلاً… بل تثبيتاً دائمًا له.

لبنان اليوم: بلد على أعصابه
ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية. نزوح واسع، ضغط اقتصادي، وهواجس أمنية واجتماعية تتراكم فوق بعضها. وبين من يفتح بابه للنازحين ومن يقفل قلبه خوفًامن المجهول، يقف لبنان أمام اختبار جديد لوحدته.
في بلد اعتاد تأجيل أزماته بدل حلّها، لم يعد السؤال فقط:
متى تنتهي الحرب؟
بل أصبح السؤال الأخطر:
أيّ لبنان سيبقى بعدها… وأيّ لبنان نريده أن يبقى؟

رودا بدر

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *