اخبار يوميةمحليات

الفرج تحت الدرج… بس الصواريخ فوق السطوح: الجنوب المخطوف

كتبت الصحافيّة رودا بدر في الأحرار نيوز :“الفرج تحت الدرج”… بس الصواريخ فوق السطوح: الجنوب المخطوف

ينطلق اللبناني من مثلين رافقاه منذ عقود: “يومين صعبين وبيمرقوا” و“الفرج تحت الدرج”. لكنّ الحقيقة أنّ هذا الشعب منذ نحو خمسين عامًا يعيش في الحلقة نفسها: يخرج من احتلال ليدخل في احتلال، ويخرج من حربٍ ليجدَ نفسه في حرب جديدة. وبين كلّ هذه العواصف، بقي اللبناني متمسّكًا بفكرة الدولة وبالجيش الذي يحميه.
على طول الخطّ الحدودي الممتدّ من دبين باتجاه الخيام وصولًا إلى بوّابة فاطمة، تتكشف صورة مأساويّة لما يعيشه أهل القرى الحدوديّة. هذه المنطقة التي لطالما كانت موطنًا لقرى حافظت على طابعها المسيحي وإيمانها بتعاليم السيد المسيح القائمة على المحبّة والسلام، أعلنت بوضوح ولاءها للدولة اللبنانية، وطالبت فقط بحماية الجيش.
هذه القرى لم تطلب الحرب، ولم ترفع السلاح، بل تمسّكت بأرضها وبيوتها. أهلها قالوا بوضوح إنهم يريدون جيشًا يحميهم لا ميليشيا تقاتل باسمهم. لذلك رفض كثيرون تحويل بلداتهم إلى متاريس أو منصّات لحروب الآخرين، ورفضوا أيضًا أن تتحوّل بيوتهم وأحياءهم إلى مواقع يتمترس فيها مسلّحون أو نازحون قد يكون بينهم عناصر مسلّحة، ما يعرّض القرى الآمنة للاستهداف.
الواقع على الأرض يختلف من بلدة إلى أخرى. في علما الشعب مثلًا، فُرِّغت من سكّانها بالكامل تقريبًا. حتّى رئيس البلديّة كان آخر من غادرها، تاركًا علما مرغمًا، والحسرة في عينيه وهو يرى القرية التي صمدت لعقود تُترك خالية بسبب الحرب المفروضة على حدودها.
أمّا في القرى الممتدة غربًا وجنوبًا، فقد اختار أهلها الصمود. من دبل إلى عين إبل ثم رميش وصولًا إلى القوزح، لا يزال السكّان متمسّكين بأرضهم. هؤلاء يحاولون قدر الإمكان منع دخول نازحين مشبوهين إلى بلداتهم، ليس رفضًا للناس بقدر ما هو خوف مشروع من أن تتحوّل قراهم إلى مواقع عسكريّة أو نقاط تمركز لمسلحين، ما يضعها فورًا في مرمى الاستهداف.
في رميش تحديدًا، تمكّن الأهالي من فرض واقع واضح: رميش لأهلها وللدولة. وقد نجحوا في ترحيل نازحين خشية أن تتحوّل رميش إلى نقطة اشتباك. كان موقفهم بسيطًا لكنه حاسم: حماية البلدة تعني عدم إدخالها في الحرب.
لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا في مرجعيون. فالقرى الثلاث القليعة وبرج الملوك وجديدة مرجعيون تقع عمليًّا على خط نار مفتوح. فهي قريبة من مناطق المواجهة ومن الطرق التي تُستخدم عسكريًّا بين القرى الحدودية، ما يجعلها في موقع حسّاس بين الحدود وخطوط التماس.
في هذه القرى، يجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة قاسية: من جهة يريدون حماية قراهم وإبعاد أي نشاط مسلّح عنها، ومن جهة أخرى يتعرّض كل من يرفع هذا الصوت لاتهامات بالعمالة، وكأنّ الدفاع عن سيادة لبنان أصبح تهمة بحد ذاته. فجديدة مرجعيون أصدرت بيانًا من يومين طالبة بمحبة من النازحين إليها أن يرحلوا إلى أماكن آمنة لأن بقاءهم في الجديدة خطر عليهم وعلى أبناء مرجعيون. لكن التجاوب مع بيان البلدية كان ضئيلًا كما أكدت مصادر من أهالي المنطقة لـ “الأحرار نيوز”.
المفارقة المؤلمة أنّ كثيرًا من القرى الحدوديّة الأخرى فُرّغت من سكّانها الأصليين، إمّا خوفًا من الحرب أو نتيجة ضغوط الواقع الأمني. وهكذا تحوّل النزوح في بعض المناطق إلى تمركز جديد لقوى مسلّحة في مناطق مهجورة، ما أدى عمليًّا إلى جرّ الحرب إلى داخل لبنان. لم تعد المواجهة محصورة على الحدود، بل امتدّت إلى القرى والبيوت والطرق. فالدولة اللبنانيّة تُجرّ مرغمة لتحمّل نتائج هذه المواجهة، بينما الجيش اللبناني يتحمل عبء تداعياتها الأمنيّة والإنسانيّة، رغم أنّ قرار الحرب والسلم لم يكن بيده.
المأساة أنّ القرى التي حافظت على روح السلام والمصالحة وفق تعاليم المسيح، والتي أعلنت ولاءها للدولة فقط، أصبحت اليوم واقعة بين نارين: نار الحرب المفروضة على أرضها، ونار التخوين عندما تطالب بأن يكون السلاح بيد الدولة وحدها. ومع ذلك، يبقى أهل هذه القرى صامدين. لم يتركوا بيوتهم، ولم يتخلّوا عن قراهم، لأنّهم يدركون أنّ التمسك بالأرض هو آخر خطوط الدفاع عن لبنان.
فالشعب الذي عاش خمسين سنة من الحروب يعرف جيّدًا أن الفرج لا يأتي من البنادق المنتشرة خارج الدولة، بل من دولة قويّة وجيش واحد يحمي جميع اللبنانيين.


رودا بدر

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *