اخبار يومية

ذكرى ١٤ آذار : حصاد عشرين عامًا من النّضال السياسيّ

كتبت الصحافيّة رودا بدر في الأحرار نيوز بعنوان :ذكرى ١٤ آذار: حصاد عشرين عامًا من النّضال السياسيّ.

تحلّ ذكرى انتفاضة ١٤ آذار هذا العام وسط تغيّرات سياسيّة كبيرة شهدها لبنان والمنطقة، وكأنّه كُتِبَ لهذه الانتفاضة أن تحقِّق جميع أهدافها بعد عشرين عامًا على المستويَيْن المحلّي والإقليمي. فمنذ انطلقت انتفاضة ١٤ آذار عام ٢٠٠٥، عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم يكن يعلم العديد من اللبنانيين أن هذه اللحظة ستكون الشرارة التي ستُغيّر مجرى التاريخ اللبناني، في وقت كان فيه البلد غارقًا في عواقب حروب وأزمات متتالية.

*تغيير وجه لبنان*

من أبرز إنجازات انتفاضة ١٤ آذار كان التأثير العميق الذي أحدثته في وجه لبنان السياسي والاجتماعي. كانت هذه الانتفاضة بمثابة رسالة واضحة للمجتمع الدولي وللنظام السوري بشكل خاص، أنها “لن تُسكت” مطالب الشعب اللبناني في استعادة سيادته واستقلاله. كانت بداية لمرحلة من التحرّر السياسي، حيث نجح اللبنانيون في إخراج الجيش السوري من لبنان بعد عقود من الهيمنة. وهذا التحوّل أسهم في تغيير الخريطة السياسية في لبنان، وقد دفع الأحزاب اللبنانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، في إطار محاولة بناء دولة حرة، ذات سيادة، وذات قرار مستقل.

*الانتقال من المقاومة إلى السياسة*

بينما شكّل الحدث التاريخي في ١٤ آذار بزوغ حركة شعبية حاشدة كانت تطمح إلى الخروج من تحت نير الوصاية السورية، فإنّ الحركة السياسية التي تشكّلت إثر الانتفاضة أسفرت عن التحولات في الهيكلية السياسية الداخلية. فحزب “14 آذار”، الذي كان يضمّ قوى سياسية ومجتمعية مختلفة تحت راية استعادة السيادة، بات يشكل قطبًا أساسيًا في العملية السياسية اللبنانية. وقد ساهم هذا التحوّل في إثراء الحراك السياسي، إذ صار هناك مساحة أوسع للتعبير عن مختلف التوجهات الفكرية والسياسية في لبنان.ورغم التحديات الكبيرة التي واجهت هذا التيار، من مواجهات مع القوى المتحالفة مع النظام السوري، مرورًا بالتدخلات الإقليمية، وصولًا إلى تهديدات متواصلة للإنجازات الوطنية، فإنَّ منجزات ١٤ آذار في مجال السيادة اللبنانية ما زالت حجر الزاوية الذي يرتكز عليه الحراك السياسي.

*النجاحات والانتكاسات*

لا يمكن تجاهل أن التحديات التي واجهتها انتفاضة ١٤ آذار لم تقتصر على صعوبات محلية فحسب، بل امتدت إلى تحديات إقليمية وعالمية. فمن جهة، لم تتحقق الأهداف الكاملة في ما يتعلق بتشكيل حكومة ديمقراطية مستقلة تمامًا عن القوى السياسية المعروفة، مع هيمنة بعض القوى الحليفة لسوريا وإيران على الساحة السياسية اللبنانية. كما أن الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها اللبنانيون منذ سنوات قد أظهرت هشاشة التحولات السياسية التي رافقت انتفاضة ١٤ آذار، إذ أصبح الوضع الاقتصادي يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه البلاد.على الرغم من تلك الانتكاسات، يمكن القول إن الانتصار الأكبر لانتفاضة ١٤ آذار يكمن في بناء ثقافة مناهضة للتدخلات الأجنبية والتأكيد على أهمية السيادة اللبنانية في معالجة قضايا الداخل والخارج. ولا شك أن التأثير الإيجابي للانتفاضة كان جليًّا في منح اللبنانيين الإحساس بالقوة والتفاؤل، بعد أن تمكنوا من التصدّي للنفوذ الأجنبي الذي كان يهيمن على مقدّراتهم.

*الآمال المستقبليّة*

اليوم، وبعد عشرين عامًا من انتفاضة ١٤ آذار، يبدو لبنان أمام مفترق طرق جديد. فبينما تواصل القوى السياسية العمل لتحقيق السلام والاستقرار الداخلي، يواجه لبنان تحديات جديدة ومعقدة تتطلب توافقًا سياسيًا عميقًا، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي ضربت البلاد. كما أن الطموحات الوطنية لا تزال بحاجة إلى ترسيخ طويل الأمد، سواء من خلال محاربة الفساد أو تعزيز المؤسسات الديمقراطية أو إيجاد حلول واقعية للنزاع الطائفي الذي لطالما شكل عائقًا أمام التقدم.إن الأمل في تحقيق المزيد من النجاحات يكمن في الشباب اللبناني الذي ظل حاضراً في ساحات الاحتجاجات والحراكات الشعبية. هؤلاء الشباب الذين يرفضون استمرار الفساد والهيمنة السياسية، ويطالبون بلبنان خالٍ من التدخلات الخارجية، يعبرون عن أملٍ جديد للمستقبل. ولعل الأمل الأبرز في الذكرى العشرين لانتفاضة ١٤ آذار يكمن في القدرة على تحويل هذه الآمال إلى واقع ملموس من خلال العمل الجاد والإرادة الوطنية التي تتجاوز المحاصصات السياسية التقليدية.

*رسالة للمستقبل*

ومع مرور عقدين على انتفاضة ١٤ آذار، يبقى السؤال المهم: هل سيبقى اللبنانيون في طريقهم نحو تحقيق المزيد من التغيير والتطوير؟ هل ستظل هذه الانتفاضة كالشعلة التي تنير الدروب في الظلمات، أم أنها ستصبح ذكرى طيّها الزمن؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على قدرتنا كلبنانيين على العمل معًا، وتعزيز الوحدة الوطنية، والدفاع عن سيادتنا واستقلالنا في وجه أي تدخل خارجي.

وفي هذا السياق، تبقى انتفاضة ١٤ آذار علامة فارقة في تاريخ لبنان الحديث، لا سيما أنها نجحت في إرساء أسس للمستقبل على الرغم من التحديات، ولتظل مثالًا على صمود الشعب اللبناني وإرادته في بناء وطن حرّ ومستقل.

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *