لا قيمة لأي حوار او اتفاق يتنافى مع الصدقيّة والواقعية السياسية
أمين الإعلام في حزب الوطنيّين الأحرار
الصحافي نبيل سمعان
بكفي أن نعرِفَ هوية الضيوف في أيٍّ برنامج سياسي، لنستنبط تلقائياً سياق الحوار الجدلي الوشيك وحدّة التعابير والتّمَترُس وراءَ المواقف المُسبقة.
عالمنا المعاصر يتغيّر من حولنا، ويتطوّر بالانفتاح – من كان يتصوَّر أن أحمد الشرع سيكون اليوم ضيف دونالد ترامب بالبيت الأبيض! – ونحن في لبنان ندورُ غالباً في مُستنقع فكري مُغلق. نتأرجح فيه بين مُصطلحيّ السلاح والسلام:
السلاح؛ ببعده الاقليمي سقط “تكنولوجياً” بدليل اننا أعجز من ان “نُكشِّح” المُسيّرات من فوق رؤوسنا، مع انتقال عقيدة الدفاع الاسرائيلية من الاحتواء إلى الاستباق.
اما السلاح في بُعدِهِ الداخلي فيبقى الأدهى؛ حيث يتماهى من يُقدسهُ، -“حزب الثورة الإسلامية في لبنان والملائكة تحاربُ إلى جانبهِ”-، مع حلمه العقائدي بتذويب الكيان اللبناني، وليس بجديد أن وليّ امره استثمر فيه ما يُقارب المئة مليار منذ ما يربو عن الاربعة عقود، وما زال!
في العلاقات بين الأفراد، الاحزاب، الأمم …، الاعتراف بحق الآخر هو السلام. ومن حقِّ المواطن الذي يتطلّع صادقاً إلى شراكة وطنيّة حقيقية بعيداً عن وهج السلاح، ان يسأل؛ بأيِّ شرعٍ يقومُ أخي في الوطن بإلقاء تحية “السلام عليكم”، وهو عن سابق تصميم يقوم حيثُما وعندما يشاء بمصادرة الأملاك والحفر تحت وجود كيانٍ وتفخيخه بمخابىء الأسلحة ليبني هيكلية عسكرية تأتمر بشكلٍ مُحكّم بإيران؟، وهو يعمل دون رادع على تغييب ذاكرتنا الجماعية ومحو تاريخ وطن ورجالات بَنَتْ، ويهجِّر، ويطمس حق المغترب بالاقتراع… ويتحيّنُ الفرصة الموآتية للإنقضاض على كُلِّ شيء.
الله عزّ وجلّ لا سلاح عنده ولا احزاب تتكنى باسمه، وأنا المواطن اللبناني المسيحي ارفض علانيةً أن اكون جندياً في ولاية بابا الفاتيكان!
إن سايكولوجية العداء والعبثية الغالبة تبقى المُعضلة، بحيث تتخطى إلى ما بعد “ايديولوجية الدم يحمي السلاح”، لتُعَبِّرَ عن هوية جماعيّة مُحصنّة ضد حق الاختلاف بالرأي، لا مكان ولا جدوى معها للأخذ والرد بالسياسة، ذلك لأنها تقفُ على طرفٍ نقيض مع ثقافة الحياة ورُقيّ التعدّديّة وخصوصية لبنان الوطن الرسالة.
وإذا ما سلّمنا توخياً للإيجابية، بالآراء والنوايا الصادقة المؤمنة والمُتغنيّة بالعيش معاً وحق الاختلاف – ورأيي من بينها – التي تتقاطع حول أن الحلّ ممكن ويبدأ بالعقلانيّة والمُصارحة ووقف المراهنة على الوقت والاستخفاف بعقول الأوادم – اللهم إذا صدقت النوايا للبحث معاً عن لبنان الذي نُريد – فهل تحقيقهُ ممكن؟
بعد التجارب الغير مُشجعة منذ ١٩٨٢ مروراً بحرب إسناد غزّة، وتفرُّد الأخوة في الوطن بقراراتهم المستوردة التي تباهت وحرضّت واستجلبت الاحتلال، وصولاً إلى الرسالة التي توجّهَ بها بالأمس”حزب السلاح”إلى الرؤساء الثلاثة و”أبناء الشعب الأبي”، تفادياً بحسب تعبيره “للإنزلاق إلى أفخاخ تفاوضية مع العدو”، يتّضِح للقاصي والداني، بما لا يقبل الشكّ، ان الإصرار على التّمَسُكِ بمقاومة مقنّعة تُراكِمُ القتل والدمار والهزائم، بما تنطوي عليه من غرور وتفاخر وتذاكٍ في شعارات التعافي والإنكار والمكابرة، ناهيك بمصادرة قرار الدولة الدبلوماسي، والغوص بالمغالطات والتفسيرات الجزئية الملتوية، والتضليل المُتعمد لمضمون الاتفاقيات الدولية – من بينها القرار الأممي ١٧٠١ الذي يرتكز على القرار ١٥٥٩ -، وصولاً إلى الاستنسابيّة في النظر إلى بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية الموّقع في تشرين الثاني ٢٠٢٤، واستحضار الكلام عن الوحدة الداخلية انتقائياً، بما يتناسب مع سردية المُمَانِعة الهادفة إلى حرف الانتباه وطمس الحقائق …، كل هذا وغيره الكثير، لا يعطيها ايّة صدقيّة، إنما يندرج في إطارِ التبريرات المتبادلة مع اسرائيل: اذ ليس خافياً ان الأخيرة باحتلالها لبعض النقاط الحدودية، فهي تُعطي الحزب الالهي المبرر للاحتفاظ بسلاحه، وهو في قرارة نفسه لا همّ إن بقيّ الاحتلال!
مع استمرار هذه الحلقة بالدوران في المستنقع المُغلق، ومعها لغة التذاكي والمماطلة واللُبس “بين ما قبل وما بعد الليطاني… وما شابه…” لن يجد لبنان، الدولة والوطن، ضالّتهُ المنشودة بالاستقرار والتّقدُّم ، طالما ان السلاح يُستعمل كأداةٍ للهيمنة الخارجية على قراره الحرّ بقناع داخلي، كما ولن يستعيد وطن الأرز موقعه الطبيعي على الخارطة السياسية وبين الدول المتحصِّرة، ما لم يتجرأ رجال الحُكم فيه رسمياً على إتّباع سياسة الحياد والحزم والوضوح والانفتاح، لتأكيد خيار التفاوض الدبلوماسي تحت مِظلة دوليّة، حول ما الذي تريده اسرائيل غير سلاح الحزب الالهي، كأداةٍ لإنهاء النزاع وتثبيت حقوقنا لا تنازلاً عنها، وقطع الطريق كي لا يكون بيان هذا الأخير اقرب باللامباشر، الى رسالة موجّهة من ايران الى الولايات المتحدة عبر الساحة اللبنانية.
