لبنان بين نارين: الهوية المتقلّبة وخيار الحياد
“لبنان بين نارين: الهوية المتقلّبة وخيار الحياد”
منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، لم تستقر الهوية السياسية للبنان، ولا تموضعه الإقليمي والدولي ضمن إطار واضح ونهائي. بل ظلّ يتأرجح بين مشاريع النفوذ، ومصالح الخارج، وتناقضات الداخل. فكان هذا الكيان الصغير، الغني بتعدديته الطائفية والثقافية، مرارًا وتكرارًا مسرحًا لصراعات الآخرين، ومرآة لأزماته الذاتية المتجذرة.
في ظل هذه التحديات، تبرز فكرة حياد لبنان كخيار إنقاذي لا يعني فقط الامتناع عن التدخل في صراعات الغير، بل يتجاوز ذلك إلى بناء نموذج لوطنٍ يعلو فيه الولاء للدولة على الولاءات الطائفية والمذهبية، وتُصاغ فيه الدبلوماسية على أساس مصلحة لبنان العليا، لا وفق حسابات المحاور الإقليمية والدولية.
إن البحث في حياد لبنان هو بحثٌ في صميم السيادة الوطنية. إنه محاولة لفهم كيفية تحييد الدولة اللبنانية عن صراعات الخارج، دون تحييدها عن دورها، ودون شلّ حركتها في الساحة الدولية. وهو مسار يتطلب نقاشًا تاريخيًا، قانونيًا، وسياسيًا معمّقًا، يتكئ على التجارب الدولية من جهة، وعلى خصوصية الواقع اللبناني من جهة أخرى.
وعسى أن نرتقي جميعًا، أحزابًا، وسلطة، وأفرادًا، إلى مستوى اللحظة الوطنية، فنلتقي حول مشروع سيادي استراتيجي جامع، يشكّل فرصة لبناء الدولة العادلة، وحماية الكيان، وإنقاذ لبنان من دوّامة الأزمات المستمرة.
د. بيار يونس
